العبادة تسع الحياة كلها

أضف تعليق

العبادة تسع الحياة كلها وتنظم أمورها قاطبة: من أدب الأكل والشرب وقضاء الحاجة، إلى بناء الدولة وسياسة الحكم وسياسة المال، وشئون المعاملات والعقوبات، وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب.

لهذا نجد كتاب الله الكريم يخاطب عباده المؤمنين بأوامر تكليفية وأحكام شرعية، تتناول جوانب شتى من الحياة، وفي سورة واحدة -هي سورة البقرة- نجد مجموعة من التكاليف كلها جاءت بصيغة واحدة (كتب عليكم) يقول سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف) (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم)1.

فهذه الأمور كلها من القصاص، والوصية، والصيام، والقتال مكتوبة من الله على عباده، أي مفروضة عليهم، فعليهم أن يعبدوا الله بالتزامها والانقياد لها. ويتسع المجال لأكثر من ذلك قال تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)2.

وتتسع العبادة حتى تشمل سائر أمور الحياة العادية. خرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “قال الله عز وجل: أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا)3 وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم)4، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يارب يارب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام .. فأنى يستجاب له” رواه مسلم.

وهذا الحديث يحث العبد على أن يتحرى الحلال في أعماله وأقواله واعتقاداته. فإن الله لا يقبل إلا ما كان طيباً طاهراً من المفسدات كلها كالرياء والعجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيباً حلالاً.


 

________
الهوامش:
1- البقرة: 178، 180، 183، 216 بالترتيب
2- الأنعام: 162-163
3- المؤمنون: 51
4- البقرة: 172

 


الدين كله داخل في العبادة

أضف تعليق

عرفنا أن العبادة ليست مقصورة على الشعائر التعبدية، ولكنها أشمل.

فالشعائر (الصلاة- الصوم- الزكاة- الحج … إلخ) جزء من العبادة وليست كل العبادة، فهي تشمل ما زاد على الفرائض من ألوان التعبد التطوعي من ذكر وتلاوة ودعاء واستغفار، وتسبيح وتهليل وتكبير وتحميد، وهي تشمل حسن المعاملة والوفاء بحقوق العباد .. كبر الوالدين وصلة الأرحام، والإحسان لليتيم والمسكين وابن السبيل، والرحمة بالضعفاء والرفق بالحيوان.

وهي تشمل الأخلاق والفضائل الإنسانية كلها، من صدق الحديث وأداء الامانة، والوفاء بالعهد وغير ذلك من مكارم الأخلاق. كما تشمل الأخلاق الربانية من حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه والشكر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، كما تشمل العبادة الفريضتين الكبيرتين اللتين هما سياج الدين وملاكه وهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين في سبيل الله.

بل تشمل أمراً له أهميته وخطره في الحياة المادية للناس، ذكره ابن تيمية في موضع آخر من رسالته “العبودية” وهو الأخذ بالأسباب، ومراعاة السنن التي أقام الله عليها الكون، حيث يقول: “فكل ما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة”.

وأكثر من ذلك ما ذكره ابن تيمية أيضا: “أن الدين كله داخل في العبادة. إذ أن الدين يتضمن معنى الخضوع والذل .. يقال يدين لله، أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له. والعبادة أصل معناها الذل أيضا”. وبهذا يلتقى معنى الدين بأصل معنى العبادة لغة وشرعاً.

 


المفهوم الصحيح الشامل للعبادة

أضف تعليق

إن الله خلقنا لنعبده عبادة مصحوبة بأقصى الخضوع الممزوج بغاية الحب.

ففي أي شيء تكون هذه الطاعة؟

وفي أي مجال يجب أن تكون؟

إن الجواب عن هذه التساؤلات يبين لنا مفهوم العبادة وسعة آفاقها.

* شمول العبادة للدين كله:

لقد سئل ابن تيمية عن قوله عز وجل: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم)1 .. ما العبادة؟ وما فروعها؟ فأجاب رحمه الله: “العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الاقوال والأفعال، الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الامانة، وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة.. وكذلك حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه والشكر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله”.

وهكذا نجد أن للعبادة -كما شرحها ابن تيمية- أفقاً رحباً ودائرة واسعة.

________
الهوامش:
1- البقرة: 21

 


العلاقة بين الإنسان والكون من حوله

2 تعليقان

إن الله تعالى قد خلق هذا الكون البديع الجميل للإنسان، وكذلك بعث الرسل والأنبياء جميعاً لهدايته. يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: “يا بن آدم خلقت الأشياء كلها لك وخلقتك من أجلي فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له”.

ولقد أخبرنا الحق في كتابه عن فضله تعالى على الإنسان ثم موقف الإنسان العجيب تجاه هذه النعم بأنه ظلوم كفار فقال: (الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار)1

إن الذي خلق هو الله، والذي رزق هو الله، والذي علّم هو الله، والذي كرم الإنسان هو الله، فهل يعترف بهذا كله.

وفي الحديث القدسي: “إني والإنس في نبأ عظيم .. أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي”2. ويقول الله تبارك وتعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * إن إلى ربك الرٌجعى)3.

________
الهوامش:
1- إبراهيم: 32-34.
2- رواه السيوطي عن أبي الدرداء.
3- العلق: 6-8.

 


النداء الأول في كل رسالة

أضف تعليق

النداء الأول في كل رسالة (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)

هذه العبادة لله وحده في العهد القديم الذي أخذه الله على بني الإنسان، وسجله بقلم القدرة في فطرتهم البشرية .. يقول سبحانه: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين *
وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
)1.

هذا العهد القديم بين الله وعباده هو الذي صوره القرآن الكريم حين قال سبحانه: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما اشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون)2، فلا عجب أن يكون النداء الأول لكل رسول أرسل إلى الناس ليذكرهم بهذا العهد القديم هو قوله تعالى:
(
اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)3، ومصداقاً لذلك قوله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)4، وقوله تعالى: (ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)5. وقال تعالى بعد أن ذكر قصص طائفة كبيرة من الأنبياء: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)6.

والجميع مأمورون بالعبادة فقد أمر الله نبيه محمداً صلى الله علي وسلم بقوله: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)7، كما يحكي سبحانه على لسان سيدنا عيسى فيقول في أدب العبودية رداً على ما نسبوه إليه وافتروه عليه: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد)8.

فالأديان كلها دعوة إلى عبادة الله وحده. والأنبياء كلهم أول العابدين لله. وعبادة الله وحده هي إذن مهمة الإنسان الأولى في الوجود كما بينت ذلك كل الرسالات.

________
الهوامش:
1- يس: 60-61
2- الأعراف: 172-173
3- الأعراف: 59
4- النحل: 36
5- الأنبياء: 25
6- الأنبياء: 92
7- الحجر: 99
8- المائدة: 117

 


الغاية من خلق الإنسان 2

أضف تعليق

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات:56] .. وهذا نص يتكون من أربع كلمات لكنه يحتوي على حقيقة هائلة عن وجودنا، والهدف من خلقنا .. لنعبد الله وحده.
فعن معاذ بن جبل قال:”كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً” رواه البخاري ومسلم.

فالغاية من وجود الإنسان والجن تتمثل في هذه الوظيفة وهي العبادة، فمن قام بها وأداها فقد حقق الغاية من وجوده، ومن قصّر فيها فقد أبطل غاية وجوده وأصبح بلا وظيفة، وباتت حياته فارغة من القصد، خاوية من معناها الأصيل الذي تستمد منه قيمتها الأولى والأساسية.
وبهذه الوظيفة يحقق الإنسان الغاية من خلق الله له وهي عبادته سبحانه وتعالى، وبها يستحق أن يكون خليفة لله على هذه الأرض.

وفي بعض الآثار القدسية يقول سبحانه :”يا عبادي … ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة، ولا لأستكثر بكم من قلة، ولا لأستعين بكم من وحدة على أمر عجزت عنه، ولا لجلب منفعة ولا لدفع مضرة، وإنما خلقتكم لتعبدوني طويلاً، وتذكروني كثيراً، وتسبحوني بكرة وأصيلاً”.

 


الغاية من خلق الإنسان

أضف تعليق

لماذا خلق الله الإنسان؟ وما الغاية من خلقه ؟ وما رسالته في هذه الحياة؟

سؤال واجب على الإنسان – كل إنسان – أن يسأله لنفسه، وأن يفكر مليا في جوابه. فإن كل جهل قد يغتفر، إلا أن يجهل الإنسان سر وجوده، وغاية حياته، ورسالته في هذه الأرض.

إن كل صانع يعرف سر صنعته .. والله – تعالى – هو صانع الإنسان وخالقه ومدبر أمره. فلنسأله يا رب لماذا خلقت هذا الإنسان؟

وسيرد الله على تساؤلنا بما بيّن لنا في كتابه العزيز أنه خلقه ليكون خليفة في الأرض. يقول الله تبارك وتعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ….) [البقرة:30]

وأول شيء في هذه الخلافة أن يعرف الإنسان ربه حق معرفته ويعبده حق عبادته، قال تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) [الطلاق:12]

 


Older Entries Newer Entries