التعبد المطلق

أضف تعليق

قال الإمام بن القيم: “صاحب التعبد المطلق غرضه تتبع مرضات الله تعالى أين كانت، فمدار تعبده عليها. فهو لا يزل متنقلاً في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى. فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره.

فإذا رأيت العلماء رأيته معهم، وإذا رأيت العباد رأيته معهم، وإذا رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإذا رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإذا رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم.

فهذا هو العبد المطلق الذي لم تملكه الرسوم، ولم تقيده القيود، ولم يكن عمله على مراد نفسه بل هو على مراد ربه، ولو كانت راحة نفسه ولذاتها في سواه. فهذا هو المتحقق بـ (إياك نعبد وإياك نستعين) حقاً، القائم بها صدقاً.

دائر مع الأمر حيث دار، يدين بدين الآمر أنّى توجهت ركائبه. ويدور معه حيث استقلت مضاربه.

يأنس بكل محق، ويستوحش منه كل مبطل.

كالغيث حيث وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها وكلها منفعة حتى شوكها، وهو موضع الغلظة منه على المخالفين لأمر الله، والغضب إذا انتهكت محارم الله” [مدارج السالكين لابن القيم ج1]

 


Advertisements

أي العبادات أفضل

أضف تعليق

إذا كانت العبادة في الإسلام لها ذلك الشمول الذي وضحناه. فأي أنواع العبادات وصورها أفضل، وأحب إلى الله تعالى؟

وإجابة ذلك السؤال كما قال ابن القيم: أن لكل وقت عبادته. يقول ابن القيم: “إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته:

فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد، من صلاة الليل وصيام النهار،

والأفضل وقت حضور الضيف مثلاً: القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب،

والأفضل في وقت السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار،

والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل: الإقبال على تعليمه والاشتغال به،

والأفضل في أوقات الأذان: الاشتغال بإجابة المؤذن،

والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الاجتهاد في إتمامها على أكمل وجه والمبادرة إليها في أول الوقت،

والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال: الاشتغال بمساعدته، واغاثة لهفته، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك،

والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمع القلب والاجتهاد في تدبره وتفهمه، حتى كأن الله تعالى يخاطبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره، والعزم على تنفيذ أوامره،

والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك،

والأفضل في أيام عشر ذي الحجة: الإكثار من التعبد، لا سيما التكبير والتهليل والتحميد،

والأفضل في العشر الأخير من رمضان: لزوم المسجد والخلوة والاعتكاف فيه،

والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: عيادته، أو حضور جنازته وتشييعه.

والأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه.

 

إقرأ كلام ابن القيم عن “التعبد المطلق”.

 


أوقات المسلم كلها عبادة لله

أضف تعليق

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو تدفع له عليها متاعه صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة” رواه البخاري ومسلم،
وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه: “…….. وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أريتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر” رواه مسلم.

فالمسلم بوسعه أن يجعل حياته وأوقاته كلها عبادة لله ما دام يبتغي بذلك وجه الله عز وجل …

– فالرجل يمسي كالاً من عمل يده يكون عابداً لله ،

– والطالب يمسي متعباً من مراجعة دروسه يكون عابداً لله ،

– والباحث يعيش مع مختبراته وأجهزته بهذا التوجه يكون عابداً لله ،

– والمرأة تبيت ساهرة على راحة أطفالها وزوجها تكون عابدة لله .

يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)1. إنه يبدأ الأمر بالركوع والسجود وينتهي بالأمر العام بالعبادة وهي أشمل من الصلاة، فعبادة الله تشمل الفرائض كلها، وتزيد مع ذلك حتى تصل إلى الحركات والسكنات والمشاعر والأحاسيس. فكل نشاط الإنسان في الحياة يمكن أن يتحول إلى عبادة متى توجه القلب به إلى الله تعالى .. حتى اللذائذ التي ينالها من طيبات الحياة بلفتة صغيرة تصبح عبادة يكسب بها العبد الحسنات.

وآداب اليوم والليلة تحث الإنسان على أن يعيش في معية الله معية كاملة. ابتداءً من استيقاظه وحتى منامه. مثلاً عندما يقوم من نومه يذكر الله ويعيش في معيته سبحانه وتعالى ويقول: “الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور” وفي أحواله المختلفة: عندما يلبس ثوبه، وعندما ينظر في المرآة، وعندما يخرج من بيته، وعندما يدخل السوق ويخرج منه، وهكذا حتى إذا عاد إلى نومه مرة أخرى وهو في حاله مع الله سبحانه وتعالى.

________
الهوامش:
1- الحج: 77-78

 


العبادة تسع الحياة كلها

أضف تعليق

العبادة تسع الحياة كلها وتنظم أمورها قاطبة: من أدب الأكل والشرب وقضاء الحاجة، إلى بناء الدولة وسياسة الحكم وسياسة المال، وشئون المعاملات والعقوبات، وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب.

لهذا نجد كتاب الله الكريم يخاطب عباده المؤمنين بأوامر تكليفية وأحكام شرعية، تتناول جوانب شتى من الحياة، وفي سورة واحدة -هي سورة البقرة- نجد مجموعة من التكاليف كلها جاءت بصيغة واحدة (كتب عليكم) يقول سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف) (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم)1.

فهذه الأمور كلها من القصاص، والوصية، والصيام، والقتال مكتوبة من الله على عباده، أي مفروضة عليهم، فعليهم أن يعبدوا الله بالتزامها والانقياد لها. ويتسع المجال لأكثر من ذلك قال تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)2.

وتتسع العبادة حتى تشمل سائر أمور الحياة العادية. خرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “قال الله عز وجل: أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا)3 وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم)4، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يارب يارب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام .. فأنى يستجاب له” رواه مسلم.

وهذا الحديث يحث العبد على أن يتحرى الحلال في أعماله وأقواله واعتقاداته. فإن الله لا يقبل إلا ما كان طيباً طاهراً من المفسدات كلها كالرياء والعجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيباً حلالاً.


 

________
الهوامش:
1- البقرة: 178، 180، 183، 216 بالترتيب
2- الأنعام: 162-163
3- المؤمنون: 51
4- البقرة: 172

 


الدين كله داخل في العبادة

أضف تعليق

عرفنا أن العبادة ليست مقصورة على الشعائر التعبدية، ولكنها أشمل.

فالشعائر (الصلاة- الصوم- الزكاة- الحج … إلخ) جزء من العبادة وليست كل العبادة، فهي تشمل ما زاد على الفرائض من ألوان التعبد التطوعي من ذكر وتلاوة ودعاء واستغفار، وتسبيح وتهليل وتكبير وتحميد، وهي تشمل حسن المعاملة والوفاء بحقوق العباد .. كبر الوالدين وصلة الأرحام، والإحسان لليتيم والمسكين وابن السبيل، والرحمة بالضعفاء والرفق بالحيوان.

وهي تشمل الأخلاق والفضائل الإنسانية كلها، من صدق الحديث وأداء الامانة، والوفاء بالعهد وغير ذلك من مكارم الأخلاق. كما تشمل الأخلاق الربانية من حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه والشكر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، كما تشمل العبادة الفريضتين الكبيرتين اللتين هما سياج الدين وملاكه وهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين في سبيل الله.

بل تشمل أمراً له أهميته وخطره في الحياة المادية للناس، ذكره ابن تيمية في موضع آخر من رسالته “العبودية” وهو الأخذ بالأسباب، ومراعاة السنن التي أقام الله عليها الكون، حيث يقول: “فكل ما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة”.

وأكثر من ذلك ما ذكره ابن تيمية أيضا: “أن الدين كله داخل في العبادة. إذ أن الدين يتضمن معنى الخضوع والذل .. يقال يدين لله، أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له. والعبادة أصل معناها الذل أيضا”. وبهذا يلتقى معنى الدين بأصل معنى العبادة لغة وشرعاً.

 


المفهوم الصحيح الشامل للعبادة

أضف تعليق

إن الله خلقنا لنعبده عبادة مصحوبة بأقصى الخضوع الممزوج بغاية الحب.

ففي أي شيء تكون هذه الطاعة؟

وفي أي مجال يجب أن تكون؟

إن الجواب عن هذه التساؤلات يبين لنا مفهوم العبادة وسعة آفاقها.

* شمول العبادة للدين كله:

لقد سئل ابن تيمية عن قوله عز وجل: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم)1 .. ما العبادة؟ وما فروعها؟ فأجاب رحمه الله: “العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الاقوال والأفعال، الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الامانة، وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة.. وكذلك حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه والشكر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله”.

وهكذا نجد أن للعبادة -كما شرحها ابن تيمية- أفقاً رحباً ودائرة واسعة.

________
الهوامش:
1- البقرة: 21